الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

290

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

قد قلت إذ مدحوا الحياة فأكثروا * للموت ألف فضيلة لا تعرف فيها أمان لقائه بلقائه * وفراق كلّ معاشر لا ينصف « قد واللّه لقوا اللّه فوفاهم أجورهم ، وأحلّهم دار الأمن من بعد خوفهم » في ( صفين نصر ) ( 1 ) : قال عتبة بن جويرية يوم صفين : ألا إنّ مرعى الدنيا قد أصبح شجرها هشيما ، وأصبح زرعها حصيدا ، وجديدها سملا ، وحلوها مرّا . ألا وإنّي انبّئكم نبأ امرى ء صادق : إنّي سئمت الدنيا ، وعزفت نفسي عنها ، وقد كنت أتمنى الشهادة وأتعرّض لها في كلّ حين ، فأبى اللّه إلّا أن يبلغني هذا اليوم ، ألا وإنّي متعرّض ساعتي هذه لها ، وقد طمعت ألّا احرمها . فما تنظرون عباد اللّه جهاد اللّه ، أتستبدلون الدنيا بالنظر إلى وجه اللّه عز وجل ، ومرافقة النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين في دار القرار ما هذا بالرأي السديد . ثم قال لإخوته : إنّي قد بعت هذه الدار بالتي أمامها ، وهذا وجهي إليها . فتبعه أخواه عبيد اللّه وعوف ابنا مالك ، وقالا : لا نطلب رزق الدنيا بعدك ، قبّح اللّه العيش بعدك ، اللّهم إنّا نحتسب أنفسنا عندك . ثم استقدموا فقاتلوا ، حتى قتلوا . وفيه ( 2 ) : قال أبو عرفاء جبلة بن عطية الذهلي في صفين للحضين بن المنذر : هل لك أن تعطيني رأيتك أحملها ، فيكون لك ذكرها ويكون لي أجرها ، أعيرها عنك ساعة فما أسرع ما ترجع إليك فعلم أنهّ يريد أن يستقتل ، فقال : فما شئت . فاخذ أبو عرفاء الراية ، فقال : يا أهل هذه الراية ، إنّ عمل الجنة كره كلهّ ، وإنّ عمل النار خف كلهّ ، وإنّ الجنّة لا يدخلها إلّا الصابرون الذين صبروا أنفسهم على فرائض اللّه وأمره ، وليس شيء مما افترض اللّه على العباد أشدّ من الجهاد ، وهو أفضل الأعمال ثوابا ، فإذا رأيتموني قد شددت فشدوا ،

--> ( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 264 . ( 2 ) صفين لنصر بن مزاحم : 304 - 305 .